الوجه الحزين للسياحة في تايلندا... رحلة إلى بتايا
  • Al-Maqala

الوجه الحزين للسياحة في تايلندا... رحلة إلى بتايا

تايلندا بلد رائع الجمال يستقطب الملايين من السياح سنويًا مع شواطئه الخلابة، وجزره الفريدة، ومدنه الضخمة وناطحات السحاب الممشوقة، ومناخه الدافئ، ومطبخه اللذيذ. غير أنّ هذا ليس كلّ شيء. فهناك أمر آخر يجذب فئة معيّنة من "السيّاح" الذين يقصدون بعض المناطق بحثًا عن خدمات تشعرهم بأنهم يجددون شبابهم بسعر منخفض.


هذا مشهد يتكرّر في معظم مناطق البلاد بخاصة في العاصمة، بانغكوك، وفي فوكيت، وبتايا بشكل خاص. في الواقع، ترتكز السياحة في المدينة الأخيرة على الخدمات الجنسية، ما يجعلها عاصمة الدعارة في العالم بامتياز. فمن المقاهي والكافيهات التي تعرض على مرتاديها الفتيات من لوائح شبيهة بلوائح الطعام في المطاعم، إلى المحلات التي تعرض النساء فيها أجسادهنّ أمام المارّين وهنّ يحاولن استقطاب زبون أم أكثر لتمضية بضع ساعات أو الليلة بكاملها.


لقد زرت مدينة بتايا في مطلع هذا العام مع اثنتين من صديقاتي ضمن جولة على مناطق عدّة في تايلندا. أنا كنت على علم بأنّ هذه المدينة هي عاصمة للخدمات الجنسية في البلاد ولكنني لم أتوقع أن تصدمني المشاهد التي رأيتها، علمًا أنني قد رأيت الكثير وأعتبر نفسي إنسانًا منفتحًا.


عند وصولي إلى الفندق في بتايا والانتهاء من تدبيرات تسجيل الدخول واستلام الغرفة، سألني أحد موظفو الفندق إن كنت بحاجة إلى "زوجة" تايلندية تلازمني خلال إقامتي، "والأسعار جيدة جدًا". ابتسمت بلطف وشكرته على عرضه.



قبل أن أخبركم عن باقي ما رأيته وسمعته واختبرته في بتايا، سأحاول أن أسلّط الضوء على نشأة هذه التجارة المربحة وتطوّرها مع الوقت في تايلندا.


تعود تجارة الجنس في تايلندا إلى القرن الرابع عشر في عهد مملكة أيوتايا حيث كان يتمّ التعامل مع النساء على أنهنّ غنائم حرب وعبدات للجنس، وتبدال عليهنّ الرجال كمكافأة للجهود التي بذلوها في الحروب. وقد استمرّ هذا الأمر لمئات من السنوات وصولاً إلى القرن العشرين، وتحديدًا إلى حكم الملك راما الخامس الذي حاول وقف هذه الظاهرة عبر إلغاء الاستعباد.


ومع التحرّر من العبودية، أصبح العبيد السابقون أحرارًا من دون مال، أو بيوت، أو أملاك، أو وظائف، وكان الحلّ أمام معظم الفقراء وغير المتعلّمين الدخول في تجارة. وبهذه الطريقة، بدأت بيوت الدعارة تنتشر وتزدهر، وتنتشر في أنحاء البلاد كلّها.


وبعدها أتت الحرب العالمية الثانية حيث احتلّت اليابان تايلندا واستخدم الجنود اليابانيون النساء التايلنديات كمومسات طوال فترة الاحتلال. وتلت ذلك حرب فيتنام. وعلى الرغم من أنّ تايلندا لم تكن طرفًا في هذه الحرب، لقد كانت البلاد الملاذ الأول للجنود الأميركيين الذين توافدوا لفترات الراحة. وقصدوا بانغكوك وبتايا بشكل خاص وبقيت هاتان المدينتان حتى اليوم عاصمتين للدعارة وتجارة الجنس.


وفي أواخر القرن العشرين، بدأت السياحة تزدهر في تايلندا، وازدهرت معها تجارة الجنس. وعلى الرغم من أنّ الدعارة أصبحت غير قانونية ابتداءً من العام 1960، ما زلنا نرى مظاهرها الواضحة والصارخة في بانغكوك وبتايا بشكل خاص. وتشير الإحصاءات الحالية إلى أنّ أكثر من 4 ملايين سائح يقصدون تايلندا سنويًا لأجل الاستمتاع بتجارة الجنس وحدها. ومن هنا أتى المشهد الذي صدمني.


ونحن نمشي في الطرقات، لا يمكننا تجاهل رؤية فتاة محلية في العشرينات من العمر تساعد رجلاً أوروبيًا في الثمانينات من العمر لعبور الشارع وهو يعانقها أو يلمس مؤخرتها وهما يمشيان. هذا ليس مشهدًا يراه الفرد مرة أو اثنتين هناك، بل يبدو أنّ هذه هي القاعدة هناك: رجال غربيون مسنون مع نساء محليات شابات.


وحين نذهب إلى شارع التنزه هناك، يتغيّر المشهد قليلاً مع عدد هائل من الملاهي التي تقدم الفتيات على لوائح مع صورها، أو الملاهي التي تعرض فتياتها على الواجهة مع بعض الموسيقى. ويمكن إيجاد الفتيات من مناطق مختلفة من العالم: روسيا، وأوروبا الشرقية، والعالم العربي، وأفريقيا. وكأنّ عدد بائعات الهوى المحليات غير كاف فاضطروا إلى استيراد الفتيات من الخارج أيضًا.


وفي وسط هذا كلّه، مطعم المأكولات الحلال الذي يتشارك جدرانه مع ملاهي الجنس والدعارة. فلا ضير بتناول لحم الإنسان الذي يتمّ الإتجار به، ولكنه حين يأتي الأمر إلى تناول لحم الحيوان، فيجب أن يكون ذلك حلالاً!


صورة من سحر يزبك تلخص الأمر كله

وبالعودة إلى الرجال الغربيين الذين ينادون بحقوق الإنسان وحقوق المرأة ويناهضون الاتجار بالبشر والعبودية في بلادهم، فهم لا يمانعون الانتهاكات كلها التي تحصل هناك، لبل يشجعونها ويساهمون في إثراء التجار لشراء المزيد من البشر والاتجار في حياتهم.


وأخيرًا وليس آخرًا، لا يمكننا تجاهل تلوث الهواء بمستويات عالية في بتايا، ما يجعله من الصعب التنفس براحة، بالإضافة إلى الضجيج الذي لا يكفّ ليلاً نهارًا. كما أنّ شواطئ هذه المدينة لا تشبه الشواطئ الخلابة التي اشتهرت بها تايلندا، بل أنّها شواطئ ضيقة، ومقتظة تعجّ بالباعة المتجولين الذين لا يتركوكم ترتاحون للحظة.



جميع الحقوق محفوظة - © al-Maqala 2023

  • b-facebook
  • Twitter Round
  • Instagram Black Round
  • LinkedIn - Black Circle